ابن فرحون
37
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
فصل ولقد أدركت من الخدام الصالحين ، ومن المجاورين العالمين العاملين ، أقواما على الخير متعاونين ، وعلى البر متظاهرين ، وبسنته صلى اللّه عليه وسلم عاملين ، رحمهم اللّه أجمعين . فأول من أدركته من مشايخ الخدام بالحرم الشريف ممن عقلته العزيزي ، عزيز الدولة « 1 » ، وفي أيامه غرس كثير من النخل الذي بالمسجد اليوم ، وكان منه شيء قبل العزيزي ومات أكثره . وإن قلت : كيف فعل ذلك وهو من البدع المنهي عنها ، وكيف ترك ورأيه في ذلك ؟ قلت : المسألة مختلف فيها ، فمنهم من منع ، ولا يكون الإنكار سمحا إلا في مسائل الإجماع فيها ، وأما حكم ثمره ؟ فقد سئل مالك - رحمه اللّه - عن شجرة نبتت في صحن المسجد ، أو المقبرة ، أو محجة الطريق ؟ قال : أكلها حلال لجميع المسلمين . وكان كثير الخير والبر ، وقف من النخيل شيئا ، وحرّر من الأرقاء جمعا غفيرا ، وكان العزيزي - رحمه اللّه - يوالي الأشراف ، ويحسن إليهم إحسانا كثيرا ، حتى اتّهم بمذهبهم ، لكثرة اختلاطه بهم ، وقضاء حوائجهم ، كنت إذا مررت عليه مع جماعته ذاهبا إلى سيدي الشيخ أبي محمد البسكري وهم جلوس بين باب النساء وباب جبريل صفّا واحدا ، أقول بأعلى صوتي : السّلام عليكم ، فيردّون كلهم حتى تسمع لهم لجة عظيمة ، ثم ينادوني ، ويقولون : خذ جزاء تحيتك ، فيعطيني كل منهم على قدره ، وأول من يبدأني الشيخ رحمه اللّه ، وأحيانا يذهب بي إلى بيته ويخرج الكيس من خرزة حجر
--> ( 1 ) ترجمته في : « المغانم المطابة » ، الورقة 241 / أ .